علي الهجويري
161
كشف المحجوب
يروى أنه قال حضرت حلقة الجنيد وكان جالسا على كرسي للتدريس فقلت له : « يا أبا القاسم غششتهم فصدروك ونصحتهم فرمونى بالحجارة » . ذلك لأن الملق يوافق هوى النفوس والإخلاص ضد ذلك ، والناس يكرهون كل من خالف هواهم ، ويميلون عنه ، ويحبون كل من وافقهم . وكان النوري معاصرا للجنيد ، وتلميذا للسرى ، وقد اجتمع بكثير من المشايخ ، وقابل أحمد بن أبي الحوارى . وله عبارات وحكم لطيفة ، في علوم الحقيقة يروى أنه قال : « الجمع بالحق تفرقه عن غيره ، والتفرقة عن غيره جمع به » لأن كل قلب اتصل باللّه يوجب عدم التفكر في المخلوقات ، وهذا الترك قرب إليه سبحانه لأن « الضدين لا يجتمعان » . قرأت في بعض الحكايات أن النوري وقف في خلوته ثلاثة أيام بلياليها ، لا يتحرك من مكانه ولا يترك الصياح فذهب إليه الجنيد وقال له : « يا أبا الحسن إذا كنت تعرف أن هذا الجؤار ينفعك فأخبرني حتى أعمل مثلك ، ولكن إذا علمت أنه لا يجدى نفعا فسلم له نفسك بالرضى عنه ، حتى يفرح قلبك ويهدأ روعك . فسكن وقال : قد نفعني اللّه بك يا أبا القاسم » . يروى أنه قال : « أعز الأشياء في زماننا شيئان : عالم يعمل بعمله ، وعارف ينطق عن حقيقته » « 1 » . لأن العالم والعارف بهذا المعنى أندر من الكبريت الأحمر ، حيث أن العالم لا يكون عالما إلا بعد عمله بعلمه ، والعارف لا يكون عارفا إلا بعد معرفته حقيقة نفسه . والنوري يقول هذا الكلام في عصره ، ولقد صدق لأنهما نادران في كل زمان ، وهما نادران الآن لأن من يشغل نفسه بالبحث عن الرجل العارف يضيع وقته سدى ، ولا يجد مقصده . ويجب عليه أن يهتم بنفسه حتى يجد العلم في كل مكان ، إذ العلم كله في العالم كله ، ثم عليه أن يتحول عن نفسه متجها إلى
--> ( 1 ) انظر السلمى ص 169 .